بناء الدول في زمن التحولات الكبرى/محمد الأمين لحويج
بناء الدول في زمن التحولات الكبرى/محمد الأمين لحويج

في سنة 2000 ذهبت مع صديق فلسطيني إلى قرية ألمانية صغيرة بحثًا عن قطع غيار سيارات مستعملة. وبعد رحلة طويلة وصلنا إلى محل يملكه رجل إيراني، فسألناه عن القطع التي نبحث عنها. أجاب بأنها غير متوفرة في ذلك الوقت، ثم قال مبتسمًا: “انتظروا قليلاً، فالثلوج على الأبواب، وعندها ستكثر حوادث السيارات وستتوفر القطع.”
استغربت كلامه يومها، وكأنه يقول إن لكل أزمة وجهًا آخر، وإن في كل مصيبة فرصة يراها من يحسن قراءة المستقبل.
واليوم، وأنا أتابع ما يجري في العالم منذ طوفان الأقصى وما تبعه من حروب وتحولات كبرى، أتذكر تلك الحادثة كثيرًا. فمن اللافت أن الأحداث بدأت من فلسطين، بينما نجد أنفسنا اليوم أمام توترات تمتد إلى إيران وتتجاوز حدود المنطقة شيئًا فشيئًا. ولا أحد يعلم إلى أين ستقود هذه التحولات، أو عند أي نقطة ستتوقف، وهل ستبقى محصورة في الشرق الأوسط أم ستطال مناطق أخرى وتحالفات دولية واقتصادات كبرى.
لكن المؤكد أن النظام الدولي يعيش مرحلة إعادة تشكل عميقة، وأن العالم يدخل زمنًا مختلفًا عما عرفه خلال العقود الماضية. ولذلك لا أرى أن السؤال هو: ماذا سيحدث؟ بل: كيف نستعد لما سيحدث؟ فالثلج سيتساقط، بمعنى أو بآخر، والدول التي تستعد للعواصف قبل وصولها هي التي تستطيع تحويل الأزمات إلى فرص والتحديات إلى أدوات قوة وبناء.
لذا أرى أن بناء الدول لا يتحقق بحل الخلافات السياسية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل يقوم أساسًا على الاقتصاد والتكوين والتعليم والعمل. فإذا كانت قوة الأمس تُقاس بعدد الجنود، فإن قوة الغد تُقاس بقوة الاقتصاد، ما يجعل وزارة الاقتصاد وزارة سيادية بامتياز، ويجعل تمكينها من قيادة الأولويات الوطنية وتنسيق مختلف القطاعات إحدى أولى خطوات الإصلاح.
وإذا كان الأمن العسكري يحمي الحدود، فإن الأمن الغذائي يحمي استقرار المجتمع. ولهذا نحتاج إلى “جيش غذائي” يعزز الإنتاج الزراعي والحيواني، ويؤسس مخزونات استراتيجية تقلل تأثرنا بأزمات العالم وتقلباته.
ولتحقيق ذلك، تبرز أهمية الاستفادة من الفرص المتاحة قبل أن تنشغل القوى الكبرى بصراعاتها. فالصين تمثل فرصة لجلب المصانع والتكنولوجيا والبنية التحتية، بينما تمثل ألمانيا وأوروبا فرصة للتكوين المهني ونقل الخبرات الصناعية واستقدام المصانع القابلة لإعادة التشغيل والتطوير.
لكن أي حديث عن الصناعة يبقى ناقصًا إذا لم يسبقه حديث عن الطاقة. فالكهرباء والمحروقات هما شريان التنمية الحديثة، ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الطاقة وتعزيز التعاون مع الجزائر لضمان الأمن الطاقوي وتنويع مصادر التزود بالمحروقات وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الدولية.
كما أن دول الخليج تمتلك اليوم فوائض مالية واستثمارية ضخمة، وهو ما يفرض علينا تحسين مناخ الأعمال وتهيئة البنية التحتية لجذب هذه الاستثمارات نحو قطاعات الإنتاج والطاقة والصناعة والخدمات. وفي هذا السياق تبرز قضية الموارد الاستراتيجية؛ فالمعادن والثروة السمكية ليست مجرد مواد للتصدير، بل أدوات سيادة وتنمية. كما أن موقع بلادنا ومواردها يؤهلانها لتكون منصة إقليمية لتجارة الذهب والمعادن، عبر إنشاء سوق متخصصة للذهب على غرار تجربة دبي، بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ويحول البلاد من مصدر للمواد الخام إلى مركز للتجارة والخدمات المرتبطة بها.
لكن التاريخ يعلمنا أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي. فالنجاة كانت دائمًا ثمرة الاستعداد المسبق. فمن فكرة الخندق التي جاء بها سلمان الفارسي رضي الله عنه لحماية المدينة المنورة، إلى المنشآت الاستراتيجية التي أقامتها بعض الدول الحديثة داخل الجبال أو تحت الأرض، تتكرر الفكرة نفسها: بناء القدرة على الصمود قبل وقوع الخطر.
وهو ما يملي ضرورة التفكير مستقبلاً في مرافق استراتيجية محمية، ومخازن وطنية كبرى، ومنشآت حيوية، بل وحتى مدن أو أحياء وظيفية تستفيد من بعض التجارب الحديثة، ومنها التجربة الإيرانية في بناء المنشآت المحصنة تحت الجبال.
وفي عالم تتغير فيه طبيعة الحروب بسرعة، أصبحت التكنولوجيا العسكرية عنصرًا حاسمًا. فالدرونات لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية الحدود ومراقبة المنشآت الحيوية، وهو ما يفرض الاستثمار في هذا القطاع عبر التصنيع المحلي أو نقل التكنولوجيا والشراكات الدولية.
ومع ذلك، فإن كل هذه المشاريع تبقى مجرد أدوات إذا لم يوضع الإنسان في قلبها. فالتكوين المهني، والتعليم، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، هي الثروة الحقيقية للأمم، وهي التي تحول الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية حقيقية.
غير أن التنمية نفسها تحتاج إلى قاعدة صلبة تحملها، وهذه القاعدة هي الوحدة الوطنية. فالتنوع الثقافي ليس عبئًا على الدولة، بل مصدر قوة متى اجتمع تحت مشروع وطني جامع. فالانتماء الحقيقي لا تحدده الأصول أو الألوان أو اللهجات، بل تحدده القدرة على بناء مصير مشترك وشعور جماعي بالمسؤولية تجاه الوطن.
إن عواصف التحول الدولي القادمة لن تنتظر أحدًا، والسيادة في عالم الغد لن تُمنح للمنتظرين بللمستعدين. لقد ولى زمن الرهان على حسن النوايا الجيوسياسية، وبدأ زمن الرهان على الذات؛ حيث الاقتصاد هو الدرع، والتعليم هو المحرك، والوحدة الوطنية هي الحصن الأساسي. الثلج سيتساقط حتمًا، ومن يملك الرؤية والجرأة في ترتيب أولوياته اليوم، هو وحده من سيحول شتاء الأزمات إلى ربيع لبناء الدولة الحقيقية.
محمد الأمين لحويج


