كواليس رحلة منتخبي تواصل بنواذيبو… حين يصبح الطريق حكاية أخرى
كواليس رحلة منتخبي تواصل بنواذيبو… حين يصبح الطريق حكاية أخرى
لم تكن رحلة كتلة منتخبي حزب «تواصل» بولاية داخلت نواذيبو إلى بلنوار والشامي وانوامغار والقرى التابعة لها مجرد جولة ميدانية للقاء السكان والاستماع إلى مشاكلهم؛ فقد كان للطريق نفسه برنامجٌ آخر، وكأنه قرر أن يختبر صبرنا، ويقيس قدرتنا على المصابرة، ويمنحنا من المواقف ما يكفي لنتذكر الرحلة طويلاً!
ومنذ البداية، كانت الجدية حاضرة، لكن الحيوية لم تكن غائبة، وكان بين أعضاء الفريق نوع من التنافس الجميل: من يصبر أكثر؟ ومن يشجع أكثر؟ ومن يخفف عن الآخرين مشقة الطريق؟ وكلما اشتد التعب، ظهر من يروي نكتة، أو يطلق كلمة تشجيع، أو يهون من صعوبة الموقف، وكأن التعب نفسه صار مناسبة لتقوية الرفقة.
لكن الطريق لم يكتفِ باختبار الصبر النفسي، فقرر أن ينتقل إلى الاختبار العملي!
فقد غرست عجلات السيارات أكثر من مرة في السباخ والرمال، ودخلنا في أوحال لم يكن الخروج منها بالأمر الهين. وفي كل مرة كانت السيارات تتوقف، كان الجميع يتحولون تلقائياً إلى «فريق إنقاذ»؛ الرجال يحفرون ويدفعون، والنساء يبحثن عن أي وسيلة يمكن أن تساعد، حتى صار جمع وسائل الإنقاذ من العدم جزءاً من البرنامج اليومي للرحلة.
وفي هذه المواقف، كان للاتحادي القطب ولد أمات دور لا يُنسى؛ فقد كان يتولى قيادة السيارات بنفسه كلما علقت إحداها في الوحل، ويخوض بها المحاولة تلو الأخرى حتى تنجح في الخروج.
مع التأكيد علينا بالتكبير عند الدفع حتى تخرج بإذن ربها. ، وسط فرحة عارمة، وكأننا حققنا نصراً كبيراً. وفي الحقيقة، كان خروج سيارة واحدة من الوحل في تلك اللحظات يستحق احتفالاً مصغراً!
وفي إحدى المرات، دخلت سيارتان في الوحل في اللحظة نفسها، وكأنهما قررتا أن تتضامنا في المحنة!
وبينما كان فريق الرجال يخوض معركة إخراج إحدى السيارتين، قررت المنتخبات أن تدخل المنافسة، لا في الانتخابات هذه المرة، وإنما في «بطولة إنقاذ السيارات»!
تقدمت النائب عزيزة جدو، واستنهضت همم النساء، داعية إلى التوجه نحو السيارة الأخرى وإنقاذها ومنافسة الرجال في هذه المهمة. فركبت السيارة، وكنت أنا أمامها، وكانت آمنة مسعود إلى جانب، وفاطمة أبيليل إلى الجانب الآخر، وانطلقت المحاولة بكل حماس.
لكن الوحل، على ما يبدو، لم يكن معنياً كثيراً بالمنافسة السياسية ولا بالمساواة بين الجنسين!
فقد باءت المحاولة الأولى بالفشل، واضطررنا، بكل شجاعة وواقعية، إلى الاعتراف بأن المنافسة في هذا المجال تبدو «مستحيلة»! وهكذا عدنا إلى الخطة الأصلية: مساعدة الإخوة في الفريق الآخر، الذين تمكنوا بالفعل من إخراج إحدى السيارتين، ثم تعاون الجميع حتى خرجت السيارة الثانية.
وفي لحظة أخرى، وبعد أن جمع بعض الإخوة وسائل بسيطة لإنقاذ السيارات من الوحل، اقترحت إحداهن أن توضع تلك الوسائل في حوض السيارة، فقد نحتاج إليها لاحقاً.
وكان الرأي، بحمد الله، في محله تماماً؛ فقد أثبت الطريق أن الوحل لم يكن قد قال كلمته الأخيرة، واستُخدمت تلك الوسائل في أكثر من موقف، وكأننا كنا نحمل معنا «عدة الطوارئ» الخاصة بالرحلة!
لكن من أجمل صور المساندة التي حملتها الرحلة، تلك التي ظهرت عندما تعطلت بنا السيارتان مرات عديدة، وتأخرنا عن الوصول في الأوقات المحددة، في ظل غياب تام لشبكات الاتصال وانقطاع الأخبار عنا.
ومع مرور الساعات دون أن تصل أخبارنا، بدأ القلق على أعضاء الحزب في الشامي، فاضطر بعضهم إلى الانطلاق خلفنا بحثاً عنا، بعدما انقطعت أخبار الرحلة تماماً.
وبعد رحلة بحث ومتابعة، التحقوا بنا في تيشط بعد أن تأخر الليل، وقد سبقناهم بالوصول قبل ذلك في مشهد لم يكن مجرد لحاق بفريق متأخر، وإنما صورة صادقة من صور الحرص والمحبة وحسن الصحبة..
ولم تكن مغامرات الطريق كلها مع الوحل والرمال؛ ففي بعض المقاطع كان عنف الطريق كفيلاً بأن يجعل السيارة نفسها تشارك في صناعة الذكريات. ومع كل مطب أو هزة قوية، كانت الرؤوس والأجساد تترابط بصورة لا تحتاج إلى ترتيب مسبق!
فقد تجد رأساً اصطدم برأس، وكتفاً استقبل كتفاً، وجسداً مال على آخر، ثم لا تسمع إلا الضحك والاعتذار ولا ترى إلا الابتسامه المصحوبه بمحبة
وربما كانت هذه من أجمل صور الرفقة؛ أن تتقاسم التعب، والمشقة، والضحك، والوحل، وحتى المطبات.
وفوق كل ذلك، ظلت رعاية الله تحيط بالرحلة في جميع توقفاتها وتفاصيلها؛ فمنذ انطلاقنا، كان استحضار الإخلاص في المقصد، وصدق النية في خدمة الناس والوقوف على أحوالهم، حاضراً في نفوس الجميع. وكنا نستشعر أن هذا المقصد النبيل، مع التوكل على الله، هو من أسباب عنايته وحفظه وعونه لنا في الطريق..
لقد كانت الرحلة تذكيراً عملياً بأن الإنسان يأخذ بالأسباب، ويبذل جهده، ويتعاون مع رفاقه، ثم يترك الأمر لله؛ فهو سبحانه خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين.
لقد كشفت هذه الرحلة جانباً آخر من الفريق؛ جانباً لا يظهر في الاجتماعات ولا في القاعات، وإنما يظهر حين تطول المسافة، ويشتد التعب، وتتعلق السيارة في الرمال، ويحتاج الجميع إلى بعضهم بعضاً.
هناك، لا يعود السؤال: من المسؤول؟ ومن المتقدم؟ ومن المتأخر؟ بل يصبح السؤال ببساطة:
كيف نخرج جميعاً؟
وهكذا كان كل واحد يمد يده للآخر، ويشجع هذا ذاك، ويخفف عنه، ويتقاسم معه المشقة، حتى أصبح التعب نفسه وسيلة للتقارب، والمواقف الصعبة مناسبة لصناعة ذكريات جميلة.
كانت رحلة فيها جدية المسؤولية، وحيوية الشباب، وصبر الطريق، وروح التعاون، وحسن الصحبة، وقبل ذلك كله عناية الله التي رافقتنا في كل خطوة.
وبين بلنوار والشامي وانوامغار وقرى الشاطئ، لم نكتشف فقط واقع الناس ومشاكلهم، بل اكتشفنا أيضاً شيئاً عن أنفسنا وعن بعضنا البعض: أن الرفقة الطيبة لا تظهر عندما تكون الطريق سهلة، وإنما عندما تعلق السيارة في الوحل… ويظل الجميع يضحكون ويدفعون ويكبرون حتى تخرج!
والحمد لله أولاً وآخراً أن الله سلّم، وأن الرحلة انتهت بسلام، وبقيت منها حكايات كثيرة، بعضها يصلح للتوثيق، وبعضها لا يصلح إلا أن يروى بين الرفاق… مع قليل من المبالغة المسموح بها في كل حكاية سفر!
فشكراً لكل رفيق طريق جعل المسافة أقصر، والتعب أخف، والمواقف الصعبة أهون، والذكريات أجمل.
لقد كانت رحلة ميدانية بالفعل… لكنها كانت أيضاً رحلة في معنى الرفقة وحسن الصحبة، وفي معنى أن يكون بعضنا لبعض سنداً حين تضيق الطريق، وأن يكون الإخلاص في المقصد والتوكل على الله زاداً في الطريق، قبل أن تكون السيارات والوسائل هي زاد الرحلة.
والحمد لله الذي حفظ، وأعان، ويسّر، وأتمّ الرحلة بسلام






